TGViewer
كُنَّاشة نصر | 💥 كُنَّاشة نصر | 💥 @kunnashanasr · 57 subscribers
Post #149 116
حالات سورية وفراعنة العصر | سحق الإنسان وتقييده
عندما يصير الذلّ والهوان مألوفًا شائعًا، حتى يُصبح هو الأساس كما حصل لبعض من بقي في دمشق زمن النظام البائد:
﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]
قال ابن كثير: «أي: قد فعلوا بنا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك».
أقصد لم يقولوا «ظُلِمنا فانصرنا»، بل جعلوا الأذى ثابتًا ووجودَ موسى طارئًا جعلوا الظلم خلفيةَ المشهد -التي لن تتغير- لا حدثَه. فقد استقرّ الهوان وتجذّر في القلب، وهذه إحدى أبرز مظاهر السحق.
كمن يقول اليوم: «هذا بلد لا يصلح، ونحن شعب لا يستحق» = تحوّلت الشكوى من مطالبةٍ بالحقّ إلى تسليةٍ في المجالس.
ومثاله ماثلٌ الآن: رجلٌ سكت عمرَه عن الأقبية والفروع والبراميل، لا تسمع منه حرفًا؛ فلمّا زالت، صار يُحصي في مجلسه كلّ ليلة انقطاعَ الكهرباء وتأخّرَ الراتب وسوءَ التدبير، بلسانٍ لم يجرؤ على عُشره يومًا واحدًا في وجه من قتل أهله. فلم يستيقظ لسانه حين اشتدّ الظلم، بل حين أَمِنَ العقوبة.

١) أقسى المظاهر في هذا المشهد: تحويل العداوة من الظالم إلى المُصلِح
قولهم لموسى ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي: أنت زدتنا بلاءً. وهذا ما يقولونه اليوم لقائد البلاد وللمجاهدين.
فعجزُهم سابقًا عن مواجهة الظالم + حاجةٌ بشرية إلى تفريغ الغضب = يُصرَف الغضبُ إلى أقرب من لا يملك أن يؤذي، وهو المُصلِح.
وهذا المظهر تراه حين يُوجَّه أشدُّ النقد للداعية والمُصلح والمُبادر، وتُلتمَس أرقُّ الأعذار لصاحب السلطان الظالم وعبد الطاغوت والشيطان.

٢) فارقٌ لا بدّ منه: شكوى المسحوق ونقدُ الحرّ
ليس كلُّ ناقدٍ مسحوقًا، ولا كلُّ معترضٍ مريضًا؛ ومن اتّخذ هذا الكلام درعًا يردّ به النصيحة فقد قلب الدواء داءً. والفارق بيّن:
▪️ المسحوق يجعل الظلم طبعًا ثابتًا، والطبع الثابت يدفعه ليشكو ولا يطالِب.
▪️ المسحوق يخاصم الأشخاص، والحرّ يخاصم الأفعال.
▪️ المسحوق ينتقد ليستريح، والحرّ ينتقد ليُغيّر، فيأتي بالبديل.
▪️ وأدقُّها: نقدُ الحرّ يشتدّ كلّما اشتدّ سلطانُ المنقود، وشكوى المسحوق تشتدّ كلّما ضَعُف. فانظر على من يشتدّ لسانُك، تعرف أيَّهما أنت.
٣) وأصلُ ذلك كلّه
معنى ما قرّره ابن تيمية في رسالته «العبودية»: أن القلب لا يخلو من عبوديةٍ البتة، فمن لم يتعبّد لله تعبّد لغيره. فراغُ العبودية لا يبقى فراغًا؛ يُملأ قسرًا. فالمسحوق لم يفرغ قلبُه من التعظيم، بل انتقل تعظيمه من الله إلى مَن يملك سوطَه ورغيفَه، والعكس صحيح عند من عظّم الله في قلبه ولو اجتمعت الأمة عليه وكان في أقسى السجون وحشيةً.

والمخرج في الآية نفسها
لم يوافقهم موسى على تثبيت الهوان، ولم يجادلهم في الماضي، بل نقلهم عنه:
﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
فحوّل نظرهم من «ما جرى لنا» إلى «ما نحن صانعون»، وعلّق الاستخلاف بالعمل لا بالشكوى. وهي في الوقت نفسه كلمةٌ لمن استُخلِف: أن الاستخلاف امتحانٌ يُنظَر فيه العمل، لا غنيمةٌ تُؤمَّن من المحاسبة.
فمن أراد الخروج من السحق فطريقه واحد: أن ينتقل من وصف الجرح إلى السؤال عمّا يصنع بعده.
More from @kunnashanasr
  1. Oct 5, 2026كلُّ إنجازٍ يخرج من حماة حجر ثقيل يقع على صدور الظالمين، يضيق به نَفَسُهم كلّما سمعوا به،…
  2. Sep 19, 2026وأكبر من حفلة وأكبر من هذا اليوم: الشعيرة الغائبة التي لا ينفكّ الشيطان وزبانيته عن استئصا…
  3. Sep 19, 2026رجعت الأصالة عالشام؟ بسم الله، الحمدلله وكفى، والصلاة والسلام على المصطفى، وأسأله السداد،…
  4. Sep 7, 2026مدرسة "اللاييك" = العلمانية... اسم لو نطقته أذن عارفة بالتاريخ، لارتجفت أعماقها. فهذه المد…
  5. Sep 5, 2026حديث الجارية من الأحاديث التي في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، تلك التي قال لها النبي صلى ال…
  6. Aug 27, 2026توجيه العاطفة لما تقرأ في السيرة النبوية تعجب من عدم اتخاذ الأصحاب -رضي الله عنهم- أيام ال…
Threads Profile ViewerView any public Threads profile without an account.Open ThreadLook →Writing with AI? Make it sound human.Metric37 rewrites AI drafts so they read naturally. Free AI detector, 1,500 words free.Try Metric37 →