رجعت الأصالة عالشام؟
بسم الله، الحمدلله وكفى، والصلاة والسلام على المصطفى، وأسأله السداد، فما أنا بمعصومٍ من الزلل.
أما بعد؛
لن أفصّل جُلّ ما جرى، فهذا ما ارتأيتُه حفظاً لصورةٍ بدأت تتضعضع، وصونًا لدماءٍ سُفكت لننال النصر ونسعى للتمكين، وابتغاءَ وجه الله في نبذ التناحر.
أعلم أننا في دولةٍ سنية نحبها ولسنا في المحرَّر وإدلب، وأن الدولة كلها دخلت في الضرورة لتجمع الصف قبل معاركَ ثقيلة قادمة. وأعي أننا في مسار حديث النبي ﷺ: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» [أحمد].
فنحن بين «ثم» و«خلافة»، ولا أدري أنحن إلى «ثم» أقرب أم إلى «خلافة»، والله أعلم.
الذي أعيه أن علينا العمل، والذي أعيه أكثر أن الإسلام قد يُدير ظهره لنا إن قعدنا: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]. أعاذنا الله من ذلك.
وأنا والله ما بدأتُ هذه الدعوة ولم أركز على هذا الثغر إلا لأني أعلم أننا لن نُهزم بقوة أعدائنا، بل بذنوبنا ومعاصينا.
وقد سألوا في أُحُد: أنّى هذا؟ فجاءهم الجواب من فوق سبع سماوات وخطين تحت فوق وسبع لمناسبتها الوضع الحالي: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. ولذلك نخاف أن نخسر هذه الدولة بذنوبنا.
أما حملة أصالة، فحاول بعضهم القيام بها، فاستشرتُ واستخرتُ، وانتهيتُ إلى أن أحشد لها حتى تكون دعوةً أكثر منها احتجاجاً: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. فلما ازدادت الأعداد جاءتني الرسائل، بعضها ينهاني وبعضها يُشيد، ولم أجد عند الفريقين من وجّه طلابه إلى إنكار هذا المنكر في زملائهم وطلابهم وأسرهم، وقد أُمر ﷺ بأول الدوائر: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].
ثم مُنعتُ من الدعوة وهُدّدتُ، وجاءت الضغوط، وحجتهم أننا لا نملك ترخيصاً. فراجعتُ الجهات المعنية وقلتُ: لا أطلب ترخيص تجمّعٍ، بل ترخيصَ دعوة، أن أنزل وأتكلم. وقد قال ﷺ: «الدين النصيحة»، وفيها «لأئمة المسلمين وعامتهم» [مسلم]، فما كان قصدي إلا النصح لا التحدّي. فأوقفتُ التجمهر ولم أوقف الدعوة. وكان لي أن أسكت، وللسكوت أهله ومسوّغاته، لكننا آثرنا النزول، فدعونا قوات الأمن أنفسهم إلى الإنكار بالقلب واللسان، وتدارسنا معهم سريعاً كيف يكون الإنكار وما أدبه: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه».
ومنهم من كان يبكي وقال أنا لم أدخل الأمن لهذا..
ويا فلان أيها المسؤول، لن أذكر اسمك الآن. أنت الذي ذكّرتنا بجهادك، ودعوتنا إلى قطعتك لنتعلّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. جهادك محفوظٌ لك ولن أنكره ولكن أخشى أن يضيع بريائك، وما جئنا ننازعك جئنا ننكر خوفًا عليك وعلى أن يضيع النصر، والإنكار ليس عدواناً على الجهاد.
واحتُسب علينا من نريد الاحتساب الكثير، قيل إننا نسعى لتخريب الدولة وإننا تكفيريون. وفي المقابل من يسأل عن قيادات الدولة: أتغيّروا حقاً أم هي سياسة؟ كيف ترضون لهذا أن يتكلم، وتمنعون من يخاف عليكم وينكر ضمن الآداب والمنهج النبوي والتدرج؟
سكوتُ الناصح + تصفيقُ المداهن = دولةٌ تُخسر من داخلها.
وكثيرٌ ممن أطالوا الحديث عن الحكمة والسياسة الشرعية لم يعودوا ينكرون إنكاراً فردياً، ولا ينصحون طلابهم بدعوة أقاربهم.
وسيقول قائل: أتُنكر الحكمة؟ معاذ الله، ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]. لكن حكمةً تنتهي بي إلى الركون عن إنكار منكرٍ لا أظنها الحكمة التي في الكتاب، والله أعلم.
وقد قال سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44]، وأول من أعني بها نفسي.
الداعية يوسم بالداعشية من بعض من في الدولة، وبالتمييع من السلفية، وبالتشدد من المتأثرين بالأشاعرة، فلعلّي أصبتُ الوسط، أو لعلّي أخطأتُ الطرق كلها، والله أعلم.
والغريب العجيب ما بين مشاركتي في الإشراف على مجلس صحيح مسلم، العجيب كنا نتواصل معهم حتى يزيدوا من أعداد الحرس، وفي المقابل بعد عدة أمتار صالة الفيحاء فيها أكثر من ٣٠٠ عنصر قوات أمن.
العجيب أن تجد رجال تجمّعوا أياماً على رواية حديث رسول الله ﷺ، وهناك أكثر من ٣٠٠ عنصر أمن لأناس تجمّعوا على حفلة غناء وفواحش.
في المشهدين قربٌ في المكان غريب، وتباعدٌ في الفكر عجيب.
لا يختلف عاقلان على أن من هو الأعزّ ويُرتجى منه، ولا يختلف حتى مختلّان على من صوتهم الأعلى. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
وأما الأصالة، التي تصدر حاليًا على أنها حامية الحمى ويركزون على هذا، هذه كيف كانت تغنّي وتصدر حتى أصبحت علامته التجارية في حفلات الرياض وأهل غزة يُقتَّلون؟ الله أعلم بما في قلبها ونحن نحكم على الظاهر.
Post #157
78
