إن المتأمل في صفحات التاريخ يدرك حقيقة مريرة؛
وهي أن الحكام المستبدين، كلما أرادوا البطش بمعارضيهم، أو التنكيل بهم، أو زجهم في السجون، أو حتى قطع أطرافهم، كانوا يدركون أن القوة وحدها لا تكفي. ⚔️
لقد كانوا بحاجة ماسة إلى “غطاء شرعي” يبرر أفعالهم البشعة، ويُسكت ألسنة الناس.
ولم يجدوا عروةً أوثق ولا حجةً أمضى من الافتراء على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مدّعين زوراً أن النبي فعل كذا وكذا، ليجعلوا من هذا الكذب ذريعةً لسفك الدماء والتفنن في أنواع العذاب. 💔
وفي هذا السياق، يكشف لنا الإمام الباقر (عليه السلام) عن الجذور التاريخية لهذا الانحراف الخطير، حيث يقول في رواية عميقة الدلالة:
“إِنَّ أَوَّلَ مَا اسْتَحَلَّ الْأُمَرَاءُ الْعَذَابَ، لَكَذِبَةٌ كَذَبَهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَنَّهُ سَمَرَ يَدَ رَجُلٍ إِلَى الْحَائِطِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَلَّ الْأُمَرَاءُ الْعَذَابَ”. 📜
تأمل معي كيف يمكن لكذبة واحدة أن تغيّر مسار التاريخ!
فبسبب هذا الافتراء، تجرأ الحكام الظلمة على تعذيب المؤمنين واستباحة كرامتهم، متكئين على هذه الأراجيف التي لا تمت إلى روح الإسلام بصلة. 🥀
وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى والمأساة الأعظم:
إن هذا الانحراف الخطير لم يكن ليحدث قط، لولا إقصاء الخلافة عن مسارها الحقيقي، وإبعادها عن وليها الشرعي وصاحبها الحق، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ☀️
فبمجرد أن أُزيح الحق عن أهله، فُتح الباب على مصراعيه لدخول هذه الأكاذيب والبدع إلى قلب الإسلام، وابتُليت الأمة بهذا الشقاء والظلم الذي لا تزال تدفع ثمنه حتى اليوم. 🌪
إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بريءٌ براءة الشمس من هذه الأقوال والأفعال القاسية. كيف لا، وهو الذي أرسله الله تعالى “رحمةً للعالمين”؟
إن نبي الرحمة أرقّ قلباً وأسمى خلقاً من أن يُنسب إليه مثل هذا العنف البشع.
ولنا في سيرته العطرة خير دليل. 🕊
فقد أورد العلامة المجلسي في “بحار الأنوار”، قصةً تفيض بالإنسانية والرأفة. يروي ابن عباس (رض) قائلاً:
“لما أمسى رسول الله (ص) يوم بدر، والناس محبوسون بالوثاق، بات ساهراً أول الليل. فقال له أصحابه: ما لك لا تنام يا رسول الله؟ فقال (ص): سمعت أنين عمي العباس في وثاقه. فأطلقوه، فسكت، فنام رسول الله (ص)”. 🌙
يا لروعة هذا المشهد!
قائد منتصر لا يغمض له جفن؛ لا نشوةً بالنصر، بل ألماً وحزناً لصوت أنين أسيرٍ في قيده!
هذا هو النبي الحقيقي، الذي لا يحتمل قلبه الرقيق سماع تأوه أسير، فكيف يُعقل أن يسمّر يد إنسان إلى الحائط؟! ✨
إن تلك الكذبة الأولى لم تكن مجرد زلة لسان، بل كانت للأسف “حجر الأساس” لسُنة باطلة، استغلها الغاصبون وأصحاب السلطة لتبرير قسوتهم. لقد سرقوا اسم الدين، وصادروا الخلافة، ليشوهوا جمال الإسلام برغباتهم المظلمة. 🌑
#أنس_بن_مالك
@Altarikh_yahkom