ظاهرة التبرير للصحابي دون غيره
رغم ما جاء في الكتاب العزيز أن قرب الإنسان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عدم التقوى والتضييع لا يغنيه من الله شيئاً، تجد هناك من يبرر لمن كانت له صلة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقد قال الله عز وجل: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا لِّلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱمۡرَأَتَ نُوحࣲ وَٱمۡرَأَتَ لُوطࣲۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَیۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَـٰلِحَیۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ یُغۡنِیَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَیۡـࣰٔا وَقِیلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّ ٰخِلِینَ}
[سُورَةُ التَّحۡرِيمِ: ١٠].
وما رواه البخاري برقم (2753)، ومسلم (206) عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] قَالَ:
«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».
بل القرب النسبي والسببي يُحمّل صاحبه مسؤولية مضاعفة، قال الله سبحانه وتعالى: {یَـٰنِسَاۤءَ ٱلنَّبِیِّ مَن یَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲ یُضَـٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَیۡنِۚ وَكَانَ ذَ ٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣰا}. [الأَحۡزَابِ: ٣٠].
والعجيب أن البعض يعكس المسألة فيهوّن من معصية زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنها زوجا له، والحال ان منطق القرآن الكريم بالعكس تمامًا، ما دامت زوجا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمعصيتها مضاعفة.
ويُناسبه ما نقله الزمخشري عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال للشقراني: «يا شقراني، إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح وإنه منك أقبح لمكانك منّا». ربيع الأبرار ج3 ص92.
والخلاصة: أن القاعدة في الإسلام هو صحة العقيدة وصلاح العمل، قال تعالى: {إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ} [الحُجُرَاتِ: ١٣]، { یَـٰنِسَاۤءَ ٱلنَّبِیِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدࣲ مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ إِنِ ٱتَّقَیۡتُنَّۚ}[الأَحۡزَابِ: ٣٢]، وخاطب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله سبحانه: { وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِیمࣰا }[الأَحۡزَابِ: ٢٩]، فالأجر العظيم للمحسنة منهن، ومن اساءت يُضاعف لها العذاب.
فمن هنا يتضح خطأ من يجعل قُرب شخصٍ من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - نسبًا او سببًا كالزوجة، او لأي جهة أخرى كالصحبة - به حصانة؛ لأن العبرة ليست بالعلاقة الاجتماعية والنسب بل بالعمل.
فهذا قارون من أصحاب نبي الله موسى (عليه السلام) حكى لنا القرآن الكريم حاله: {إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَیۡهِمۡ} [القَصَصِ: ٧٦].
فقد أثبت له الصحبة والبغي في وقت واحد وأخبر في نهاية المطاف عن مصيره حيث قال: { فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةࣲ یَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِینَ }[القَصَصِ: ٨١].
ويكشف لنا الصحابي البراء بن عازب أن الصحبة وبيعة الرضوان إن تعقّبها الإحداث يُفقدهما أثرهما وفضلهما.
فقد روى البخاري عن المسيب قال: لقيت البراء بن عازب فقلت له: طوبى لك، صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده. صحيح البخاري ط السلطانية ج٥ ص١٢٥ ح٤١٧٠.
فالصحبة والقرابة بحد أنفسهما - مع عدم التقوى - لا يجعلان لصاحبهما كرامة ولا حصانة، بل كونه صحابيا او قريبا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجعل معصيته مضاعفة، فإذا كنا نتسامح مع غيره لو اخطأ فلا نتسامح معه.
Post #1605
1.13K
Forwarded from المعرفة الدينية
- ❤ 10
- 👏 4
- 🔥 1