كثيرون اليوم يتصدّرون للحديث بصفة «المتخصص» في المذهب الشيعي، بينما تكشف أبسط المناقشات الحديثية عن جهلٍ واضح بمباني الشيعة نفسها.
فلا يفرّق بعضهم بين المنهج الأصولي والمنهج الإخباري، ولا يعرف المباني التي يلتزم بها أصحاب كل مدرسة في التعامل مع الأخبار والأسانيد وعلم الرجال، ثم يبني أحكامًا عامة على المذهب كله وكأن أقوال جميع علمائه ومناهجهم شيء واحد.
والأعجب أن بعض هؤلاء لا يكتفي بالجهل بالتفاصيل، بل يتحدث بثقة قاطعة عن الإخبارية والأصولية، وينسب إلى الإخباريين أنهم «لا يأخذون بالأسانيد» أو «يأخذون الأخبار على أهوائهم»، مع أن الرجوع إلى كتب كبار الإخباريين أنفسهم يكشف خلاف ذلك بوضوح.
وإليك النّقض من بعض أقوال العلماء المنسوبين إلى المدرسة الإخبارية:
١- ذكر الحر العاملي (رحمه الله تعالى) في خاتمة وسائل الشيعة (١) في الفائدة الثانية عشرة [أحوال الرجال]: «في ذكر جملة من القرائن المستفادة من أحوال الرجال تفصيلًا.. وإنما نذكر هنا من يستفاد من وجوده في السند، قرينة على صحة النقل، وثبوته، واعتماده».
ثم يفصل بعد ذلك (رحمه الله) في أقسام هؤلاء الرواة فيقول:
«من نص علماؤنا على ثقته، مع صحة عقيدته».
«ومن نصوا على مدحه، وجلالته، وإن لم يوثقوه…».
«ومن نصوا على توثيقه، مع فساد مذهبه…».
«ومن عدّوه من أصحاب الإجماع».
«ومن عدّوه من أصحاب الأصول».
وقد يستدرك بعضهم فيقول: كيف تزعم أن الإخباريين يعتمدون على السند، والحر العاملي نفسه ينتقد البحث الرجالي ويقول: «وأما البحث عن أحوال الرجال: فلا يدل على الاصطلاح الجديد»
والجواب: هذا الاستدراك في غير محلّه؛ لأن الحر العاملي لا ينفي أصل النظر في السند وأحوال الرواة، وإنما ينتقد حصر صحة الخبر بهذا الطريق. والدليل أنه بعد كلامه مباشرة يذكر فوائد البحث عن أحوال الرجال، قال: ومن جملتها: «إمكان الترجيح بذلك، عند التعارض، مع عدم مرجح آخر أقوى منه»، ثم يقول أيضًا إن من فوائد معرفة أحوال الرجال «الاطلاع على بعض القرائن» و«وجود السبيل إلى كثرة القرائن الدالة على ثبوت الحديث».
٢- ذكر العلامة المجلسي (رحمه الله تعالى) في ملاذ الأخيار (٢) أنّه: «لا بد من رعاية أحوال الرجال عند الجمع بين الأخبار والتعارض بينها».
وذكر (رحمه الله تعالى) في مقدمة البحار (٣) عند عرض المصادر -كنموذج تطبيقي-: «وكتاب مشارق الأنوار، وكتاب الألفين؛ للحافظ رجب البرسي.
«ولا أعتمد على ما يتفرد بنقله؛ لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع، وإنما أخرجنا منهما ما يوافق الأخبار المأخوذة من الأصول المعتبرة».
إذن: فهم لا يقولون لا حاجة إلى الرجال، بل يستخدمون علم الرجال صراحة، بل إن أكابر هذا المنهج ينقلون أقوال النجاشي والطوسي والعلامة (رحمهم الله تعالى) وغيرهم في الرواة؛ فهم لا يتجاهلون مسألة الأسانيد بل يعدونها من جُملة القرائن!
وهنا يظهر الفرق بين من ينتقد منهجًا علميًا وبين من لا يعرف المنهج أصلًا ثم يختصره بعبارة: "يأخذون الأخبار على هواهم"
ولهذا المتحدّث أهواءٌ فادحة، وتدليساتٌ فاضحة، ولعلّه يتسنّى لنا الوقتُ لعرض بعضها لاحقًا، والحمد لله.
———
(١): وسائل الشيعة - الحر العاملي (ج٣٠/ ص٢٨٤ إلى ٢٨٦).
(٢) ملاذ الأخيار - العلامة المجلسي (ج١/ص٢٧).
(٣): بحار الأنوار - العلامة المجلسي (ج١/ص١٠).
Post #1598
1.58K
Forwarded from مَنَارَةُ الْإِمَامِيَّة
- ❤ 14
- 👍 2
- 👏 1