لا يمكن تخليد القضايا، ونحتها في نفوس الأجيال، دون النظر الى سحر "الأناشيد" و "الأشعار المنظومة" في نفوسهم. تلك التي تمتزج فيها الكلمات المخلصة بايقاعٍ بسيط يسهل حفظه و يستمر أثره، حتى بعد عشرات السنين.
فإذا كان اليوم قصيدة "سلام فرمانده" او نسختها العربية "سلام يا مهدي" حفرت كلماتها في نفوس الأجيال، والذي سيتذكرها حتماً اولئك الصبية في قادم أيامهم..
فإن قصائد جيلنا كانت مختلفة..
منها ما نتذكَّرها في يوم غدير الخم، رائعة السيد الحميري، تلك التي قيل أن في حفظها الجنّة – ربما بسبب تضمنها العقائد الحقة- ..
سمعناها أيام الطفولة والصبا، وحفظناها عن ظهر القلب، وكانت حاضرةً في أيام فرحنا بصورة الانشاد الجمعي .. وكنا نقلِّد في قراءتنا الذي أخرجها من بطون الكتب الى واقع الحياة، وسجلَّها صوتاً قصيدة انشادية..
دون أي شيء، لا إيقاع.. ولا مؤثرات صوتية .. ولا "ايكو" او "كورال".. بل قارئ واحد، يُعينه في بعض المقاطع آخر.. لكن تأثيره كان عميقاً فينا.
تلك التي مطلعها
لأم عمروٍ باللوا مربَعُ * طامسةٌ اعلامهُ بلقع
تروح عنه الطيرُ وحشيةً * والأسدُ من خيفَتِهِ تفزع
..
قصيدةٌ في فضل أمير المؤمنين (ع)، تمر على حادثة الغدير العظيمة، ثم انقلاب القوم، ثم تحملك الى يوم القيامة حيث الجزاء الوافر لمن بقي متمسكاً بعروة عليٍ الوثقى، حيث ينتظره نهر الكوثر:
حوضٌ له ما بين صنعا الى * ايلةَ والعرض به اوسع
حصاهُ ياقوتٌ ومرجانةٌ * و لولؤ لم تجنه اصبع
بطحائه مسكٌ وحافاته * يهتزٌ منها مونقٌ مُربِعُ
ثم تنتقل الى حيث راياتِ الناس يوم القيامة، وكيف يُذادونَ عن الكوثر ذودَ الإبل عن غدير الماء:
اذا دنوا منه لكي يشربوا * قيلَ لهم تبّاً لكم فارجعوا
دونكم فالتمسوا منهلاً * يرويكم او مطعماً يُشبع
هذا لمن والى بني أحمدٍ * ولم يكن غيرهم يتبعُ
وهكذا تجتمع معاني الولاء و البراءة في قصيدةٍ واحدة، يسهل قراءتها، ويؤنس الترنُّم بها، ويُثاب حافظها.. والأهم من ذلك: يحفر في ذاكرة القلب معاني الولاء والبراءة، فيساعد على ترسيخ الهوية الصحيحة وحفظها أمام الفتن الهوج التي تعصف بأجيالنا هذه الأيام.
أقول: من أراد ترسيخ العقيدة لأجيال صاعدة، فلابد أن يجمع مع الدرس والبحث والتعليم والنقاش، أسلوب الأناشيد والأهازيج، ويختار من الشعر ما فيه يُسر العبارة، وغزارة المعنى، وصحة العقيدة..
وفي تاريخ التشيّع الكبير، مئات القصائد والأشعار التي يمكن أن تؤدي كل واحدة منها هذا الدور.. لكن بحاجة الى منقِّبٍ ماهرٍ، ومُنشِدٍ مذواق.. والأهم من ذلك توفيق من الله عزوجل.
#الغدير_عيد_الولاية
Post #1608
5.18K
- ❤ 23