س38: هناك من يقول بأن الحياة متطوِّرة والاحكام الشرعية لا تستطيع مواكبة هذا التطوّر، لأنها نزلت في زمنٍ قديمٍ جداً.
#قصاصات_جامعية
خذ أقدم كتابٍ في الرياضيات، وادرس فيه معادلة فيثاغورس.. ثم خذ من الفيزياء قاعدة ارخميدس.. تلك التي كتبت في (زمن قديمٍ جدا). وانظر: هل ما زالت تلك القواعد سارية، نكتشف فيها العلاقة بين اضلاع مثلَّثٍ في زماننا، كما اكتشف فيثاغورس علاقة اضلاع مثلَّثه، أو وزن الجسم الطافي عند صاحبه؟
لحظة!
أما تطوَّر العالم منذ ذلك الحين تطوراً هائلا؟.. ففيثاغورس كان في زمنٍ يركبون الخيول والبغال، اما اليوم فزمن الطائرات النفاثة.. أفلا يكون – حسب فكرة صاحبنا في السؤال- تلك القواعد (قديمة) و(بالية)؟ أم هي نفسها؟
قد تقول: وما دخلُ قِدَمِ الزمان في تغيّر المعادلات الرياضية والعلاقة بين الدوال المثلثية؟
أقول: أحسنت!
فالمادة هي المادة.. وقوانين الخليقة التي جرت قبل الفي عام، تجري الان، وبعد الفي عام.. ولتكن قوانيناً في الفيزياء او الكيمياء او الهندسة او الطب.. صحيح او لا؟
فقوانين الكون ثابتة وإلا لم تسمّ (قانوناً) .. وحركة الزمان لا تأثير لها عليها.. فلا تتغيّر عدد ذرّات الحديد حسب العام الميلادي، ولا تختلف كيفية تشكّل السحب، ولا نوع المادة المكوّنة من اتحاد الصوديوم مع الكلور.. وبالتالي فإن العلوم التي تتناسب مع تلك القوانين لا تتغير اصلا..
فما هو واضح: ان في الكون، امور ثابتة.. ولولا ذلك لما نفع كتاب علمٍ أصلا! ولما حاول أحدٌ أن يكتشف شيئاً قد يكون متغيّرا يوم غد!
وهنا جوهر الرد على كلامك..
فمادام هناك امورٌ ثابتة، فإن الموقف منها ثابت، فاذا جاءت قوانين وأنظمة لتنظِّم حياة الانسان معها تنظيماً سليماً، لكان عليها ان تكون ثابتة ايضاً.. ولا دخل لقدم الزمان بذلك.
قد تقول ان الحياة تغيَّرت منذ 1400 عام.. أقول: نعم، ولا!
فهناك ما تغيَّر، وهناك ما لم يتغيَّر.. فتغيَّر مثلاً، ملبس الانسان، وطريقة صناعته، لكن لم يتغير حاجته الى (الملبس).. ولم تتغيّر طبيعة (القِطن) ولا (الحرير) وتأثيرها على الانسان.
وطعام الإنسان، منه ما تغيَّر ومنه ما لم يتغيَّر.. لكن لم يتغير حاجته الى الطعام، وتأثير كل طعامٍ على جسده..
فتصوَّر معي تفّاحَةً ودودةً..
كان يا ما كان (في قديم الزمان).. كانت هناك تفاحة ودودة.. التفاحة نافعة للإنسان، والدودة مضرة له..
فهل تغيَّر الأمر الان؟ وهل أن قدم الزمان له دخلٌ في المعادلة؟ وهل صناعة الانسان للسيارة أدّى ان تكون التفاحة مضرّة للإنسان والدودة نافعة؟
كلا.
فالتشريع الذي يقول لك: التفاح (حلالٌ) و الدودة (حَرام) يبقى ثابتاً لا يتغير.
وهكذا في سائر الموارد
فحاجة الرجل الى المرأة، والعكس.. ثابت مهما تغيّر الزمان.
والتشريع الذي جاء لينظِّم العلاقة بين الرجل والمرأة، داخل الزواج وخارجه، ثابتٌ بثبوت الجنس البشري.. فحتى بعد الف عام، تبقى قوانين الزواج، وحدود العلاقة بين الجنسين خارج اطار الزواج، ومن هي محارم الرجل ومن هي الأجنبية، ثابتة لا تتغيَّر.
وتأثير الغناء على أعصابِ الانسان، ثابتٌ لا يتغيَر، فحكمه يبقى ثابِتاً لا يتغيَّر.
وباقي الأمثلة عليك لا عليّ.
وهكذا، يجري الأمر على سائر الدين الذي جاء لينظِّم علاقة الانسان بربِّه، وببعضه، وبالطبيعة من حوله.. فأي واحد تغيَّر في ذلك؟
هل تغيَّر الرب تعالى؟ سبحانه عن ذلك.
هل تغيَّرت الطبيعة وقوانينها؟ كلا.
هل تغيَّر الإنسان في جسده وتكوينه لأنَّه اخترع الانترنت أو اكتشف مجرَّة بعيدة في الفضاء؟
كلا.
فلابد ان يكون (الصحيح) من الدين قبل الف عام، صحيحٌ بعد الف عامٍ أيضا.
نعم، في الحياة متغيرات ايضاً.. ولذا كان في الدين متغيِّراتٌ أيضا. ولذا فهناك الاجتهاد ليقوم الفقهاء المتخصصون الأمناء على الحلال والحرام، للاستفادة من ثوابت الدين في الإفتاء فيما تغيَّر من حياة البشر..
ثم..
كل هذا النقاش انما نناقِش به، غيرَ المؤمن بالدين، أما المؤمن بأنَّه (تنزيلُ من لدن حكيمٍ عليم) (نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المرسلين)، وأنَّ كتاب الله الخاتِم صفته (يهدي به الله من اتبع رضوانَه سبل السلام)، وأنَّه بتطبيقه يصل الانسان الى الفلاح في الدنيا والآخرة.. وأن الصادق من آل محمد عليهم السلام قال: حلالُ محمدٍ حلالٌ الى يوم القيامة، وحرامه حرامٌ الى يوم القيامة..
وأن الشريعة الأخيرة، والمنهج النهائي للبشر ليست سوى هذا الدين: (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودينِ الحقِّ ليظهره على الدين كُلِّه وكفى بالله شهيدا)، وأنَّ الحُجَّة من آل محمد عليهم السلام سيظهر في اخر الزمان، ويملأ العالم قسطاً وعدلاً بهذا الدين نفسه..
ألا تتعارض– يا صديقي- عقيدة المسلم بذلك كله، مع ادعاءِ قِدَم الدين وانتهاء صلاحيته؟! أم هذا الادعاء مجرد (شمّاعة) للفرار من مسؤولية تطبيق الدين، والدفاع عنه في قبال هجمات الأعداء؟!
هذا هو السؤال الحقيقي؟
#قصاصات_جامعية
Post #123
12.8K
- ❤ 96
- 👍 8