"كملي دراستچ.. وإلا ستتزوجين وتبتلين بالطفل والحفّاظة و.. وسيأتي رجلچ ويمنّ عليچ بقوطية الراني، وإذا سويتي شي زين يشتري لج نستلة!"
لم أكد أصدق أذني حين سمعت هذا المقطع.. لا لسطحيته وركاكة كلامه وترسيخ النظرة الدونية إلى دور الأم والأسرة المبتلى بها في الثقافة المادية فحسب..
بل لأن المتحدث "تربوي" جعله المجتمع أميناً على أولاده.. وهو يتكلم بكلماتٍ حتى وإن كانت نيّته حسنة في الحثّ على طلب العلم، إلا أن النية الحسنة لا تُخلِّص الإنسان من تبعات عمله حين يخطئ أو يسيء.
ولأن الكلام موجَّه للإناث، فله خصوصية إضافيّة.. إنّه يتحدّ في المضمون والتوقيت مع هجماتٍ منظمة ورؤية مادية تحاول أن تكون هي السائدة في طبيعة (المرأة) و(دورها الطبيعي في المجتمع) و(العلاقة مع الرجل).
فبغض النظر عن التشبيه الرديء في الكلام.. فهو خاطئ كلياً في اتجاهين:
الأول: في ازدراء دور المرأة في إطار الأسرة، وترسيخ فكرة أن المرأة التي تختار طريق الأسرة هي (الفاشلة التي لم تنجح في الحياة العلمية والوظيفية).. وهذا ان كان مقصوداً فلا يكون مجرد خطأ بل جريمة تجاه المجتمع.
الثاني: في طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة.. ونفي التكامل بينهما.
فلا أعلم عن حال المتكلِّم.. هل هو ممن يمنّ عليها بـ "قوطية الراني"؟ أو هو ممن تجاوز هذه المشكلة ويحذّر منها .. ولا أعلم ايضاً عن البيئة التي يتكلم فيها.. فلعلّ تلك المشكلة طاغية في مكان المتحدث فيكون عذراً..
ولكن حال بلادنا ومجتمعنا في الغالب هو خلاف ذلك..
فالرجل في بلادنا يعمل ويكدح ويُعرّض نفسه لكل الصعوبات حتى يوفِّر.. ولا يشعر بأنَّ له فضلاً لأنه يوفر، بل تلك طبيعته ووظيفته.
والمرأة في قبال ذلك توفِّر له الحياة الكريمة والراحة والاستقرار النفسي.. وتوفر له الحماية التي يحتاجها.. ولا تشعر بأنَّ لها فضلاً عليه لأنها تفعل ذلك.
وحقيقة.. لم أسمع في حياتي كلِّها -حتى من أولئك الذين يراجعونني في مشاكلهم الزوجية أو التي تنتهي الى الطلاق أسفاً- أنَّ المشكلة كانت بسبب "منّة الرجل" أو "منّة المرأة".. فسمعنا أموراً كثيرة وغريبة لم تكن هذه منها يوماً..
وحتى لو وُجدت.. فلا يوجد رجل دنيء يمنّ على زوجته بالراني والنستلة؛ فهذا الرجل إن فعل ذلك مع الغريب عِيبَ عليه وكان علامة الدناءة، فكيف مع أقرب الناس إليه؟!
بل ربما سمعنا بالعكس.. أن كثيراً من الزوجات تشتكي لأزواجها عن تعبها من عمل البيت وإدارة الأطفال.. ولم يحسبها الزوج أنَّها تقصد بها "المنّة"..
نعم، دائماً هناك استثناءات.. من رجالٍ سيئين، إلى رجال صالحين تصدر منهم أخطاء مؤقتة -فهم غير معصومين كما أن النساء غير معصومات- لكنهم سرعان ما يتداركونها ويعيدون العلاقة إلى نصابها.. والإشكالات أيضاً تكون على أمور أساسية ليست هذه منها.
أقول: في ظل تلك الهجمات والموجات العارمة التي تجتاح مجتمعاتنا، لا ينبغي أن يتم التساهل مع من يحمل هذا الخطاب..
لأن لهذا الخطاب ضحايا.. من العوائل التي تبني خياراتها عليه فتجبر بناتها عليه.. أو من البنات اللاتي يجرّبن هذا الطريق ويندمن بعد ذلك في وقتٍ متأخر من حياتهن..
ولمن يقول إنّ للجميع الحق في أن يقول ما يشاء تحت مظلة "حرية الرأي"..
نقول له:
أولاً: ليس من حقّ من يُؤتمن من قبل المجتمع أن يتحدث بما جادت به قريحته.. فالمجتمع يقلّده عنواناً وظيفياً وسِمَةً، فعليه أن يفي بمتطلبات تلك السمة.
ثانياً: إنَّ "حرية الكلام" ليست مطلقة عند أيِّ عاقل في هذا العالم.. ويعجبني التشبيه المعروف الذي يلخِّص المعنى:
أن تمتلك في بيتِك السمّ.. فأنت حرّ في ذلك.
لكن.. لا يحقّ لك أن توزّع السمّ على الناس على أنَّه الدواء..
خصوصاً إذا كان من توزِّع لهم تلك السموم: أطفالاً أو مراهقين!
#مقالات
Post #4740
4.05K
- ❤ 387
- 👍 22
- 💔 6
- 👎 4