▪️ذهاب الشيخين إلى السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) للتراضي، وهما ممتنعان من إرجاع الحق إلى أهله وإنهاء الغصب!
روى الصدوق بطريقين عن أمير المؤمنين والإمام الحسين(عليهما السّلام) قالا:
لما اشتدّت علة فاطمة اجتمع إليها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله من علتك؟
فقالت: "أصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، .. "، وألقت خطبة قصيرة تندد فيها ما صدر منهم من التهاون والتقصير.
فأعادت النساء قولها(عليها السّلام) على رجالهن، فجاء إليها قومٌ من المهاجرين والأنصار معتذرين وقالوا: يا سيّدة النساء، لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر قبل أن يبرم العهد ويحكم العقد، لما عدلنا عنه إلى غيره!
فقالت(عليها السّلام): إليكم عنّي! فلا عذر بعد تعذيركم ولا أمر بعد تقصيركم.
ولعلّ هذه الأخبار هي التي أثارت الشيخين لعيادتها. فروى الهلالي العامري خبر العيادة عن ابن عباس، ورواه الصدوق بتفصيل أكثر بسنده عن الإمام الصادق(عليه السّلام) قال:
لما مرضت فاطمة .. استأذنا عليها عائدين فأبت أن تأذن لهما، فعاهد الله أبو بكر: أن لا يظلّه سقف بيتٍ حتى يدخل على فاطمة ويترضّاها! وبات ليلة في البقيع!
فأتى عمر علياً(عليه السّلام) وقال له: إن أبا بكر قد كان مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في الغار فله صحبة، وهو شيخ رقيق القلب! وقد أتينا فاطمة مراراً نريد الإذن عليها فنتراضى! وهي تأبى أن تأذن لنا لندخل عليها، فإن رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل.
قال: نعم.
فدخل عليٌّ على فاطمة فقال لها: يا بنت رسول الله، قد كان من هذين الرجلين ما قد رأيت، وقد تردّدا مراراً كثيرة ورددتيهما ولم تأذني لهما، وقد سألاني أن استأذن لهما عليك.
فقالت: والله لا آذن لهما ولا أكلمهما من رأسي كلمة حتى ألقى أبي فأشكوهما إليه بما صنعاه وارتكباه مني!
فقال علي(عليه السّلام): فإني قد ضمنت لهما ذلك!
قالت: فإن كنت قد ضمنت لهما شيئاً فالبيت بيتك والنساء تبع للرجال، فلا أخالف عليك بشيء، فأذن لمن أحببت.
فخرج علي(عليه السّلام) فأذن لهما، (فدخلا) فلما وقع بصرهما على فاطمة(عليها السّلام) سلّما عليها، فلم ترد عليهما بل حوّلت وجهها عنهما، فتحوّلا واستقبلاها ..
فقالت لعليّ(عليه السّلام): جاف الثوب عنّي!
وكان حولها نسوة فقالت لهنّ: حوّلن وجهي!
فلما حوّلن وجهها تحوّلا إلى وجهها وقال لها أبو بكر:
يا بنت رسول الله، إنما أتيناك ابتغاء مرضاتك واجتناب سخطك، نسألك أن تغفري لنا وتصفحي عمّا كان إليك منّا!
فقالت لهما: لا أكلمكما من رأسي كلمة واحدة أبداً حتى ألقى أبي فأشكوكما إليه وأشكو صنيعكما وفعالكما وما ارتكبتما منّي!
فقالا: فإنّا جئنا معتذرين مبتغين مرضاتك فاغفري واصفحي عنا ولا تؤاخذينا بما كان منا!
فالتفتت إلى علي(عليه السّلام) وقالت له:
إني لا أكلمهما من رأسي كلمة حتى أسألهما عن شيء سمعاه من رسول الله، فإن صدقاني رأيت رأيي!
فقالا: اللهم إنّ ذلك لها، وإنا لا نقول إلّا حقا ولا نشهد إلّا صدقا!
فقالت: أنشدكما بالله، هل سمعتما النبيّ يقول:
«فاطمة بضعة مني وأنا منها، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي»؟
قالا: اللهم نعم.
فقالت: الحمد لله.
ثم قالت: اللهم إنّي أشهدك -فاشهدوا يا من حضرني- أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي!
والله لا أكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقى ربي فأشكوكما بما صنعتما بي وارتكبتما مني!
فدعا أبو بكر بالويل والثبور وقال: ليت أمّي لم تلدني.
ولكن عمر قال له: عجباً للناس كيف ولّوك أمورهم وأنت شيخ قد خرفت! تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها! وما لمن أغضب امرأة؟!
وقاما وخرجا.
وروى الخبر ابن قتيبة بتتمة قال:
قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لأشكونّكما إليه!
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة.
ثم انتحب أبو بكر باكياً، وخرج باكياً وهي تقول له:
والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة أصليها.
وجاء في كلام أمير المؤمنين(عليه السّلام) لرسول عمّه العباس قبيل وفاتها(عليها السلام):
«.. وإن فاطمة بنت رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لم تزل مظلومة؛ من حقها ممنوعة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تحفظ فيها وصية رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ولا رعي فيها حقّه ولا حق الله عزّ وجل، وكفى بالله حاكماً ومن الظالمين منتقماً!».
📚 موسوعة التاريخ الإسلامي 4: 142– 148.
عن:
- الإحتجاج (الطبرسي، 548ق) 1: 149. ولمصادر الخطبة راجع الموسوعة 4: 144. ونقلها المجلسي عن أكثر هذه المصادر في بحار الأنوار 43: 158– 163، ثم شرحها إلى 170.
- كتاب سليم بن قيس الهلالي العامري(76ق): 391.
- علل الشرائع (الصدوق، 381ق) 1: 220– 223، ب149.
- الإمامة والسياسة (ابن قتيبة الدينوري، 276ق) 1: 14.
- الأمالي (الطوسي، 460ق): 155– 156، ح258.
@alYusufialGharawi