بين التخصص والتوسع!
فارق كبير بين تأصيل الشيء وبيان أهميته وبين تقديره وتطبيقه!
التوسع فيما يظنه المرء علما كثير منه لا علاقة له بالعلم النافع ألبتة!
الجمع بين العلم والعمل والدعوة والعبادة هو هدي الأنبياء -عليهم السلام- ثم الصحابة -رضي الله عنهم- فلم يكن يطغى عندهم عمل على حساب آخر..
كانوا يقابلون أقدار الله بشرعه الذي يحبه منهم..
قال الله تعالى آمرا نبيه -صلى الله عليه وسلم- بطلب الازدياد من العلم النافع:
(وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)
فكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-:
"اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً"
(وأعوذ بك من علم لا ينفع)
وقال الله له:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ، قُمۡ فَأَنذِرۡ)
وقال:
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ، قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا)
وكان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا اجتمعوا لم يتفرقوا حتى يقرؤوا:
(وَٱلۡعَصۡرِ ، إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ، إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ)
التخصص في الشيء وتغليبه على غيره يوقع كثيرا بفتنة التوسع غير المحمود والتقصير فيما هو أولى منه..
رُوي أن أحد أصحاب العابد الزاهد الجنيد رآه في النوم فقال له: "ما فعل الله بك؟" فقال:
"طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركيعات (ركعات خفيفة) كنا نركعها في الأسحار"
وفي طبقات مجد الدين أن العالم الفقيه زفر بن الهذيل حفظ القرآن في سنتين من آخر عمره، فرُئِيَ بعد موته في المنام فسئل ما حالك فقال:
"لولا السنتين لهلك زفر!"
وقال أبو عمر بن عبد البر: سمعت عبد الله بن محمد بن أسد ، سمعت حمزة الكناني يقول:
"خرجت حديثاً واحداً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نحو مائتي طريق ، فداخلني لذلك من الفرح غير قليل ، وأعجبت بذلك ، فرأيت يحيى بن معين في المنام ، فقلت : يا أبا زكريا ، خرجت حديثاً من مائتي طريق ، فسكت عني ساعة ، ثم قال : أخشى أن تدخل هذه تحت ألهاكم التكاثر."
وروي أن عالم العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي رئي في المنام بعد وفاته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: «غفر لي ربي بتعليمي عجوزاً سورة الفاتحة»، وقيل له وعلم العروض والشعر؟ فقال: «ذهب هباءً منثوراً».
وقال علي بن نصر:
"رأيت الخليل بن أحمد في النوم قلت: ما صنع الله بك؟
قال: أرأيت ما كنا فيه، فإنه لم يكن شيء أفضل من: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".
وفي رواية قال:
قلت: بم نجوت؟ قال: بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قلت: كيف وجدت علمك أعني العروض والأدب والشعر؟
قال: وجدته هباء منثورا.
القصد:
من أراد الهداية التامة والكاملة فليدع الله كثيرا في إصابتها وليثبت الصدق في طلبها ولينظر في قصص الأنبياء وسير الأصحاب وليكن له نصيب من العلم والعمل والدعوة والعبادة..
ثم لينظر إلى ثغره المتخصص به وقدرته عليه حتى يناسب ويوفق بين الوقت الذي ينفقه في إتقان ثغره الخاص وحسن تطبيق العبادة وتحقيقها وفق مراد الله لا ما يحدثه الثغر في نفسه من تضخم ووهم!
مثال:
انظر في سيرة معاذ بن جبل وتطبيقه تعرف صورة العالم الكامل..
Post #2802
8.43K