Post #686
803
اشتكى لي اليوم منتظر الأسدي بشأن متحدث في مؤتمر مرئي زعم أن "البابليين حاولوا تجفيف الأهوار".
عندما يبدو الادعاء حول العصور القديمة مشكوكاً فيه، فما الذي ينبغي علينا فعله؟ علينا البحث عن النص القديم الذي استُمد منه هذا الادعاء. وفيما يخص تجفيف الأهوار في جنوب بلاد الرافدين قديما، توجد دراسة حديثة نسبيا بقلم أنجيلا غريكو بعنوان "ترويض البرية" (2020).
تشير المصادر التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد إلى الأراضي الرطبة من منظورين؛ فمن ناحية، تصفها النصوص الأدبية باستمرار بوصفها مكانا يفيض بالخيرات: المياه والأسماك والقصب. ومن ناحية أخرى، تصورها النقوش الملكية كحيزٍ ينبغي إخضاعه لإدارة عقلانية. ولم يتغير الكثير منذ ذلك الحين.
ومن بين أوضح الشواهد التي أوردتها غريكو، نقشٌ يعود للملك أور-نمو، مؤسس سلالة أور الثالثة (RIME 3/2.01.01.19, CDLI P432129):
"للإله نانا، الابن البكر للإله إنليل، وملكه؛ قام أور-نمو -الرجل القوي، ملك أور، وملك سومر وأكّد- باستصلاح منطقة من الأهوار وزراعتها بفسائل النخيل (وقد كانت أهواراً بحق!)، حيث استقطع من المياه مساحةً تبلغ 3600 "بور". كما شقّ لها قناة بلغ طولها 4 "دانّا" و 260 "نيندان"، مهدياً إياها لمدينة أور ككنزٍ ثمين. وقد أطلق على هذه القناة اسم: 'مَن ذا الذي يشبه نانا؟'".
وبعبارة أكثر وضوحاً، استصلح أور-نمو مساحة من الأهوار تبلغ نحو 233 كيلومترا مربعا لصالح الإله نانا، إله مدينة أور، وشقّ قناة يبلغ طولها قرابة 45 كيلومتراً.
وقد يتساءل المرء: لماذا احتاجت منطقةٌ مزروعة بالفعل بفسائل النخيل إلى التجفيف؟ ولماذا كانت مساحتها كبيرة إلى هذا الحد؟ يذكر أن ملوكاً لاحقين، في فترة لارسا خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، كانوا يتباهون أيضا بإنشاء قنواتٍ تمتد لعشرات الكيلومترات. لم يذكر النص ما إذا كانت القناة قد حُفرت حديثا، أم أنها كانت مجرى نهرياً قديما أُعيد تنظيفه، أم أنها كانت مساحة مائية مفتوحة بين أحواض القصب جرى تهيئتها. ومهما يكن من أمر، فإليك المقطع الرئيسي باللغة السومرية، مع ترجمة له سطراً بسطر:
a-ša3-bi (1
الترجمة: مساحتها
šar2-gal GANA2-am3 (2
الترجمة: تبلغ 3600 (وحدة "بور") من حيث المساحة (= 233.28 كيلومتراً مربعاً)
a-ta (3
الترجمة: من المياه
ha-mu-na-ta-de6 (4
الترجمة: استخرجها له.
وبعبارة أبسط، جرى تجفيف مساحة يبلغ طول ضلعها حوالي 15 كيلومترا (بافتراض أنها مربعة الشكل) بواسطة قناة يزيد طولها عن 40 كيلومتراً. وهو إنجاز مثير للإعجاب بالنسبة لمشروع قديم. ومع ذلك، لا يمثل هذا سوى جزء ضئيل جداً من الأراضي الرطبة، كما أنه يُعد واحداً من الأمثلة القليلة الموثقة لمثل هذه الأعمال المتعلقة بالتجفيف.
لا نعرف أي آثار أثرية لهذه القناة، أو لـ "المستنقع المزروع بفسائل النخيل". فبينما لا تزال قنوات الألفية الأولى قبل الميلاد مرئية على السطح -كما هو الحال في منطقة الدحيلة أيضاً- فإن المجاري المائية التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد تظل مدفونة تحت الرواسب النهرية، ولا تظهر إلا بمحض الصدفة.
وفي حالات أخرى، كانت المساحات التي جرى تجفيفها أصغر بكثير. ويمكن وصف هذه الجهود بأنها "استصلاح للأراضي" بدلاً من كونها محاولة لتغيير -أو تدمير- نظام بيئي انتقالي بأكمله، على غرار ما فعله صدام حسين. إذ لا يوجد أي توثيق لمشروع بهذا الحجم لدى السومريين أو البابليين، أو في أي فترة لاحقة من العصور القديمة.
عندما يبدو الادعاء حول العصور القديمة مشكوكاً فيه، فما الذي ينبغي علينا فعله؟ علينا البحث عن النص القديم الذي استُمد منه هذا الادعاء. وفيما يخص تجفيف الأهوار في جنوب بلاد الرافدين قديما، توجد دراسة حديثة نسبيا بقلم أنجيلا غريكو بعنوان "ترويض البرية" (2020).
تشير المصادر التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد إلى الأراضي الرطبة من منظورين؛ فمن ناحية، تصفها النصوص الأدبية باستمرار بوصفها مكانا يفيض بالخيرات: المياه والأسماك والقصب. ومن ناحية أخرى، تصورها النقوش الملكية كحيزٍ ينبغي إخضاعه لإدارة عقلانية. ولم يتغير الكثير منذ ذلك الحين.
ومن بين أوضح الشواهد التي أوردتها غريكو، نقشٌ يعود للملك أور-نمو، مؤسس سلالة أور الثالثة (RIME 3/2.01.01.19, CDLI P432129):
"للإله نانا، الابن البكر للإله إنليل، وملكه؛ قام أور-نمو -الرجل القوي، ملك أور، وملك سومر وأكّد- باستصلاح منطقة من الأهوار وزراعتها بفسائل النخيل (وقد كانت أهواراً بحق!)، حيث استقطع من المياه مساحةً تبلغ 3600 "بور". كما شقّ لها قناة بلغ طولها 4 "دانّا" و 260 "نيندان"، مهدياً إياها لمدينة أور ككنزٍ ثمين. وقد أطلق على هذه القناة اسم: 'مَن ذا الذي يشبه نانا؟'".
وبعبارة أكثر وضوحاً، استصلح أور-نمو مساحة من الأهوار تبلغ نحو 233 كيلومترا مربعا لصالح الإله نانا، إله مدينة أور، وشقّ قناة يبلغ طولها قرابة 45 كيلومتراً.
وقد يتساءل المرء: لماذا احتاجت منطقةٌ مزروعة بالفعل بفسائل النخيل إلى التجفيف؟ ولماذا كانت مساحتها كبيرة إلى هذا الحد؟ يذكر أن ملوكاً لاحقين، في فترة لارسا خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، كانوا يتباهون أيضا بإنشاء قنواتٍ تمتد لعشرات الكيلومترات. لم يذكر النص ما إذا كانت القناة قد حُفرت حديثا، أم أنها كانت مجرى نهرياً قديما أُعيد تنظيفه، أم أنها كانت مساحة مائية مفتوحة بين أحواض القصب جرى تهيئتها. ومهما يكن من أمر، فإليك المقطع الرئيسي باللغة السومرية، مع ترجمة له سطراً بسطر:
a-ša3-bi (1
الترجمة: مساحتها
šar2-gal GANA2-am3 (2
الترجمة: تبلغ 3600 (وحدة "بور") من حيث المساحة (= 233.28 كيلومتراً مربعاً)
a-ta (3
الترجمة: من المياه
ha-mu-na-ta-de6 (4
الترجمة: استخرجها له.
وبعبارة أبسط، جرى تجفيف مساحة يبلغ طول ضلعها حوالي 15 كيلومترا (بافتراض أنها مربعة الشكل) بواسطة قناة يزيد طولها عن 40 كيلومتراً. وهو إنجاز مثير للإعجاب بالنسبة لمشروع قديم. ومع ذلك، لا يمثل هذا سوى جزء ضئيل جداً من الأراضي الرطبة، كما أنه يُعد واحداً من الأمثلة القليلة الموثقة لمثل هذه الأعمال المتعلقة بالتجفيف.
لا نعرف أي آثار أثرية لهذه القناة، أو لـ "المستنقع المزروع بفسائل النخيل". فبينما لا تزال قنوات الألفية الأولى قبل الميلاد مرئية على السطح -كما هو الحال في منطقة الدحيلة أيضاً- فإن المجاري المائية التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد تظل مدفونة تحت الرواسب النهرية، ولا تظهر إلا بمحض الصدفة.
وفي حالات أخرى، كانت المساحات التي جرى تجفيفها أصغر بكثير. ويمكن وصف هذه الجهود بأنها "استصلاح للأراضي" بدلاً من كونها محاولة لتغيير -أو تدمير- نظام بيئي انتقالي بأكمله، على غرار ما فعله صدام حسين. إذ لا يوجد أي توثيق لمشروع بهذا الحجم لدى السومريين أو البابليين، أو في أي فترة لاحقة من العصور القديمة.
- ❤ 7









