TGViewer
- الأدعية والأذكار 🕋". - الأدعية والأذكار 🕋". @s0rch · 5.82K subscribers
Post #33108 423

Forwarded from كُنَّاشة نصر | 💥

الإصلاح بين الاستطاعة والتوكل

يقول خطيب الأنبياء - شعيب عليه السلام- لقومه، في واحدةٍ من أعمق الآيات التي نطق بها نبيٌّ عن نفسه: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: ٨٨).

أقول بصراحة: أول مرةٍ قرأت فيها هذه الآية بغية العيش مع القرآن والإصلاح مرّت عليّ مرور الكرام، كأنها تحصيل حاصل إجابة بسيطة عامة نبي يريد الإصلاح، وماذا كنا ننتظر غير ذلك؟ لكنني حين وقفتُ عندها هذه الفترة - وليتني وقفت عندها أبكر- أدركتُ أنها ليست وصفاً عابراً، بل ضبط دقيق جدًا لمعادلة نفسية بديعة.

فلماذا قيّد شعيب عليه الإسلام إصلاحه بـ"ما استطعت" ولماذا أردف الاستطاعة بالتوكل مباشرةً.

أقصد بهذا أن الآية تعقد - في نَفَسٍ واحد - بين حدّين يتنازعهما كل مصلحٍ صادق:

حدّ الفعل "الأسباب"، وحدّ التسليم "التوكّل".

فهو يريد الإصلاح، لم يقل أُصلح جزماً، بل أريد والإرادةٌ توحي بالسعي ثم قيّدها بـ"ما استطعت".

فلا يحمّل نفسه فوق طاقتها، ولا يعِد قومه بما لا يملك تحقيقه ثم يُتبع هذا كله بأن التوفيق ليس منه أصلاً، بل من الله وحده.

الاستطاعة + التوكل = مصلحٌ لا يُحمّل نفسه ما لا تطيق، ولا يتّكل على جهده وحده حتى ينسى أن الأمر لله من قبلُ ومن بعد.

وهذه معادلةٌ نفتقدها اليوم بشدة.

أرى - وقد أكون مخطئاً في القراءة - صنفين من أهل الإصلاح كلاهما يبتعد عن هذا التوازن.

الصنف الأول يحمّل نفسه أو يحمّل جيلاً كاملاً مسؤولية إصلاح الأمة بأسرها، فإذا تأخرت الثمرة أصابه إحباطٌ يشبه الاكتئاب، أو احتراق نفسي صامت لا يبوح به لأحد، لأنه ظنّ - من غير أن يشعر - أن التوفيق بيده هو، لا بيد الله.

والصنف الثاني على النقيض: يُغرم بالوسائل والخطط والحملات ويغلّبها على الإخلاص والصدق والبركة حتى يظنّ أن كثرتها تضمن النتيجة، فينسى - وسط الزحام - أن "ما توفيقي إلا بالله" =  فيُصاب حين تخذله الوسائل بصدمة ما كان ليُصاب بها لو تذكّر من البداية أن الأسباب أسباب، لا غايات.

وقد وقعت في كلتيهما سابقًا ونجوت والحمدلله.

أعانني على تصوّر هذا التوازن مرضي بهما فالمريض بقدر ما يحتمل جسده يعالج، لا بقدر ما يتمناه هو من شفاء، فلا يصف دواء فوق طاقة الجسد فيقتله بدل أن يشفيه والطبيب - مع كل مهارته - يعلم يقيناً أن الشفاء بيد الله لا بيد مشرطه، فيبذل الجهد ويكل الأمر

= هذا هو عين "الاستطاعة" و"التوكل" في الثوب الأبيض "الطبيب".

سيقول قائل: أليس هذا تكلّفاً في استخراج فائدةٍ لم يقصدها السياق؟ أقول: لا، والقياس هنا ليس مماثلةً تامة بين زمن النبوة وزمننا، فشعيبٌ نبيٌّ معصوم، ونحن لسنا كذلك؛ لكن المعادلة النفسية التي رسمت - الفعل المقيّد بالاستطاعة، متبوعاً بالتوكل غير المشروط - أصلٌ عام يصلح لكل مصلحٍ في كل زمان، لأنها ليست خاصةً بالنبوة، بل بحقيقة العبودية التي يشترك فيها النبي والمصلح الذي يقتدي به ويقتفي آثاره.

فعلينا أن نأخُذ بالأسباب حدّ استطاعتنا، لا حدّ أمنياتنا، ونسلّم الأمر والأثر لله بلا امتنانٍ منا عليه سبحانه إن نجح، ولا نيأس عليه سبحانه إن تأخّر. هذه براءةٌ من الغرور والتكبر، وبراءةٌ من القنوط، في آنٍ واحد، وقلّ أن يجتمعا في كلمةٍ كما اجتمعا هنا.
  • ❤ 2
More from @s0rch
  1. Sep 2, 2026أثر انتشار منكر الكفر في البلاد إنَّ انتشار هذا المنكر في المجتمعات من أسباب فسادها واضطرا…
  2. Sep 1, 2026الورد الرابع من كتاب تعظيم الله وبيان حكم شاتمه من صـ 25 إلى صـ32 المطلوب: • قراءة الورد ا…
  3. Aug 31, 2026الورد الثالث من كتاب تعظيم الله وبيان حكم شاتمه من صـ 17 إلى صـ24 المطلوب: • قراءة الورد ا…
  4. Aug 26, 2026بشرى لأهل سوريا المباركة.. انطلاق حملة " #أتدري_ما_الله " حملة دعوية تهدف إلى تعظيم الله ت…
  5. Aug 5, 2026مرحبا بالأحبة.. الليلة -إن شاء الله- س ١٠ م سلسلة العيش مع الصحابة. اللقاء السابع عشر: مصع…
  6. Jul 23, 2026#وآثارهم ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12…
Threads Profile ViewerView any public Threads profile without an account.Open ThreadLook →Writing with AI? Make it sound human.Metric37 rewrites AI drafts so they read naturally. Free AI detector, 1,500 words free.Try Metric37 →