اسفار؛ ج7 ؛ ص171 (دار احياء التراث العربي - بيروت، چاپ: سوم)
موقف هشتم؛ فصل20
الفصل (20) في ذكر عشق الظرفاء و الفتيان للأوجه الحسان
اعلم أنه اختلف آراء الحكماء في هذا العشق
و ماهيته و أنه حسن أو قبيح محمود أو مذموم-
فمنهم من ذمه و ذكر أنه رذيلة
و ذكر مساويه و قال إنه من فعل البطالين و المعطلين
______________________________
و منهم من قال إنه فضيلة نفسانية
و مدحة و ذكر محاسن أهله و شرف غايته-
و منهم من لم يقف على ماهيته
و علله و أسباب معانيه و غايته-
و منهم من زعم
أنه مرض نفساني
و منهم من قال إنه
جنون إلهي.
و الذي يدل عليه النظر الدقيق
و المنهج الأنيق و ملاحظة الأمور عن أسبابها الكلية و مباديها العالية و غاياتها الحكمية أن هذا العشق أعني الالتذاذ الشديد بحسن الصورة الجميلة و المحبة المفرطة لمن وجد فيه الشمائل اللطيفة و تناسب الأعضاء و جودة التركيب لما كان موجودا على نحو وجود الأمور الطبيعية في نفوس أكثر الأمم من غير تكلف و تصنع فهو لا محالة من جملة الأوضاع الإلهية التي يترتب عليها المصالح و الحكم فلا بد أن يكون مستحسنا محمودا سيما و قد وقع من مباد فاضلة لأجل غايات شريفة.
أما المبادي فلأنا نجد أكثر نفوس الأمم التي لها تعليم العلوم و الصنائع اللطيفة- و الآداب و الرياضيات مثل أهل الفارس و أهل العراق و أهل الشام و الروم و كل قوم فيهم العلوم الدقيقة و الصنائع اللطيفة و الآداب الحسنة غير خالية عن هذا العشق اللطيف- الذي منشؤه استحسان شمائل المحبوب و نحن لم نجد أحدا ممن له قلب لطيف و طبع دقيق و ذهن صاف و نفس رحيمة خاليا عن هذه المحبة في أوقات عمره.
و لكن وجدنا سائر النفوس الغليظة و القلوب القاسية و الطبائع الجافية من الأكراد و الأعراب و الترك و الزنج خالية عن هذا النوع من المحبة و إنما اقتصر أكثرهم على محبة الرجال للنساء و محبة النساء للرجال طلبا للنكاح و السفاد كما في طباع سائر الحيوانات المرتكزة فيها حب الازدواج و السفاد و الغرض منها في الطبيعة إبقاء النسل و حفظ الصور في هيولياتها بالجنس و النوع إذ كانت الأشخاص دائمة السيلان و الاستحالة.
و أما الغاية في هذا العشق الموجود في الظرفاء و ذوي لطافة الطبع- فلما ترتب عليه من تأديب الغلمان و تربية الصبيان و تهذيبهم و تعليمهم العلوم الجزئية- كالنحو و اللغة و البيان و الهندسة و غيرها و الصنائع الدقيقة و الآداب الحميدة و الأشعار اللطيفة الموزونة و النغمات الطيبة و تعليمهم القصص و الأخبار و الحكايات الغريبة و الأحاديث المروية إلى غير ذلك من الكمالات النفسانية فإن الأطفال و الصبيان- إذا استغنوا عن تربية الآباء و الأمهات فهم بعد محتاجون إلى تعليم الأستادين و المعلمين- و حسن توجههم و التفاتهم إليهم بنظر الإشفاق و التعطف فمن أحل ذلك أوجدت العناية الربانية في نفوس الرجال البالغين رغبة في الصبيان و تعشقا و محبة للغلمان الحسان الوجوه- ليكون ذلك داعيا لهم إلى تأديبهم و تهذيبهم و تكميل نفوسهم الناقصة و تبليغهم إلى الغايات المقصودة في إيجاد نفوسهم و إلا لما خلق الله هذه الرغبة و المحبة في أكثر الظرفاء و العلماء عبثا و هباء فلا بد في ارتكاز هذا العشق النفساني في النفوس اللطيفة و القلوب الرقيقة غير القاسية و لا الجافية من فائدة حكمية و غاية صحيحة.
و نحن نشاهد ترتب هذه الغايات التي ذكرناها فلا محالة يكون وجود هذا العشق في الإنسان معدودا من جملة الفضائل و المحسنات لا من جملة الرذائل و السيئات و لعمري إن هذا العشق يترك النفس فارغة عن جميع الهموم الدنياوية إلا هم واحد فمن حيث يجعل الهموم هما واحدا هو الاشتياق إلى رؤية جمال إنساني فيه كثر من آثار جمال الله و جلاله حيث أشار إليه بقوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ و قوله- ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ سواء كان المراد من الخلق الآخر- الصور الظاهرة الكاملة أو النفس الناطقة لأن الظاهر عنوان الباطن و الصورة مثال الحقيقة- و البدن بما فيه مطابق للنفس و صفاتها و المجاز قنطرة الحقيقة.
و لأجل ذلك هذا العشق النفساني للشخص الإنساني إذا لم يكن مبدؤه إفراط الشهوة الحيوانية بل استحسان شمائل المعشوق و جودة تركيبه و اعتدال مزاجه و حسن أخلاقه و تناسب حركاته و أفعاله و غنجه و دلالة معدود من جملة الفضائل و هو يرقق القلب و يذكي الذهن و ينبه النفس على إدراك الأمور الشريفة و لأجل ذلك أمر المشايخ مريديهم «1» في الابتداء بالعشق و قيل العشق العفيف أو في سبب في
______________________________
(1) إذ لا يرون سببا أقوى في انتزاع يد النفس عن مشتهيات عالم الكون الطبيعي بعد الجذبة أو بعد الرياضات الشرعية من هذا العشق و لهذا قال الشيخ فريد الدين العطار الذي هو عشق محض بحيث قال بعض العرفاء إيماء إلى وجوده العشق خراساني-
ذره عشق أز همه آفاق به ذره درد أز همه عشاق به
Post #80
3.25K
- 👍 1